السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )

29

رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )

وليمتان في الاسلام لم يكن مثلهما ولا يكون . فالأولى وليمة الرشيد عند دخوله بزبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور ، كانت أواني الذهب تملأ من الفضّة ، وأواني الفضة تملأ من الدنانير وتدفع إلى وجوه الناس . ويقال إنّ العود الهندي إنّما فضّل على العود القماري في هذه الوليمة لأنّهما امتحنا فوجد الهندي أطيب وأبقى في الثوب . قال أبو ياسر : كانت النفقة في هذه الوليمة من بيت خاصة المهدي سوى ما أنفقه الرشيد خمسين ألف ألف دينار . والثانية وليمة المأمون على بوران بنت الحسن بن سهل . قال أبو الفرج : لما خطبها المأمون استعدّ لها استعدادا يجلّ عن الوصف ، وخرج المأمون إلى فم الصّلح « 1 » في سنة عشر ومائتين فأملك بها ، وفعل الحسن في هذه الوليمة ما لم يفعله ملك في الجاهلية ولا الإسلام : نثر على الهاشميين والقواد والكتاب بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع ، وأسماء جوار ، وتعيين صلات وغير ذلك من كلّ شيء نفيس . فكان إذا وقع شيء من ذلك في يد من نثر عليه فتحه وتوجّه فاستوفى قبض ما فيه . ثم نثر بعد ذلك على عامة الناس الدنانير والدراهم ، ونوافج المسك ، وقطع العنبر ، وأقام الوظائف والنفقات لجميع ما اشتمل عليه عسكر المأمون لكلّ رجل على قدره . ويقال : إنّ العسكر اشتمل على ستة وثلاثين ألف ملّاح . قال أبو الفرج : لما جليت بوران فرش لها حصير من ذهب ، وجيء بإناء مملوء درّا فنثر على الحصير ، وكان فيمن حضر من النساء زبيدة بنت جعفر ، وحمدونه بنت الرشيد وغيرهما من بنات الخلفاء ، فلم تلقط واحدة منهنّ شيئا من الدرّ . فقال المأمون : أكرمنها بالتقاطكنّ ، فمدت كلّ واحدة يدها وأخذت واحدة ، وبقي الدر على الحصير الذهب ، فقال المأمون : قاتل اللّه الحسن ابن

--> ( 1 ) فم الصلح ( بكسر الصاد ) نهر كبير فوق واسط عليه عدة قرى ، وفيه كانت دار الحسن بن سهل وزير المأمون ، وفيه بنى المأمون ببوران بنت الحسن ( معجم البلدان ) .